تمهيد:
حاولنا في هذه الموضوع تحديد خصائص
لغة الإعلام، و ذلك بالاستناد إلى معطيات لغوية تَمَّ الحصول عليها من الوسائل
الإعلامية المكتوبة منها و المسموعة، ثم انتقلنا في مرحلة ثانية إلى الدراسة
الصوتية و التركيبية و الدلالية، لإبراز التطور الذي عرفته اللغة العربية في وسائل
الإعلام. كما و جهنا اهتمامنا إلى توضيح أسباب انتشار ظاهرة الأخطاء الشائعة التي
غالبا ما تعزى إلى السرعة في تحرير المادة الإعلامية قصد إحراز قصب السبق في
الإخبار، أو وجود الصحافيين في وضعيات صعبة تتير الخوف و الدهشة والاضطراب
النفسي مثل وجود الصحافي بالقرب من الحروب
أو الزلزال.
ولعل تكون المجتمع من فئات غير
متجانسة على المستوى الاقتصادي و السوسيو ثقافي هو ما أسهم إلى جانب العوامل
المذكورة في تميز لغة الإعلام بتحققها في أشكال متنوعة و مختلفة ( فصحى معاصرة،
دارجة، لهجة)
فما هي خصائص لغة الإعلام ؟ و
كيف أثرت وسائل الإعلام فيها ؟
تأثير وسائل
الإعلام في اللغة:
من نافلة القول إن العلاقة التي
تربط الإعلام باللغة هي علاقة عضوية، ويرجع الارتباط بينهما إلى وقت ظهور وسائل
الإعلام؛ فالصحافة نمت في أحضان الأدب، وكانت لغة الأدب هي لغة الصحافة بامتياز.
لكن مع تطور الحياة العصرية وتعدد الوسائل الإعلامية وكثرة الأخبار وسرعة انتشارها،
اضطرت وسائل الإعلام إلى استعمال لغة غير مرتبطة بقالب لغوي معين، إذ أصبحت
الصحافة تمتلك في العالم كله أسلوبا خاصا بها، يميزها عن الكتابة والأسلوب الأدبي
والعلمي...فالأسلوب الذي تعتمده هو الأسلوب الإعلامي الذي يرتكز على تزويد القارئ
بالحد الأقصى من المعطيات الملموسة بأقل الأدوات الممكنة، وذلك لإثارة انتباهه
و
توجيهه مباشرة إلى المعلومات وتنوع المستجدات والمعطيات؛ لأن الصحافي يهتم قبل كل
شيء بالمستمع/ القارئ ويضع نصب عينه كل ما له علاقة برغباته و
حاجاته، و لتحقيق ذلك يستعمل قاموسا لغويا بسيطا، ويطبق القواعد الخمسة: من ؟ ماذا
يقول؟ وبأي وسيلة؟ وبأي أثر؟
لقد أصبحت لغة وسائل الإعلام
توسم بكونها فصحى معاصرة، نتجت عن التفاعل بين الفصحى القديمة وعناصر لغوية أجنبية
عنها، مثل " أوتوماتيكي" و "تاكتيكي" و " والكوطة".
وقد أطلق محمد جسوس على مثل هذه التعابير اسم الفرنبية، أي أنها خليط بين العربية
والفرنسية، تكون فيها البنية اللغوية فرنسية وجذور الكلمات عربية.
وفي هذا السياق يمكن القول إن
تطور اللغة العربية واحتضانها لمفردات أجنبية و استعمالها لتعابير غير مألوفة في التداول العربي القديم، يعود أساسا إلى الصحافة التي لعبت دورا كبيرا في
ملاءمة تلك المفردات و تلك التعابير للسان العربي، ومن العوامل التي ساعدها على
ذلك امتياز اللغة العربية بالقدرة على إيصال المعنى بأقصر الطرق والوسائل، بحيث
تمكنت من التحرر من الأسر اللغوي القديم والظهور بلباس العصر الحديث، ويتجلى هذا
في الأمور التالية:
تعريب الألفاظ:
وذلك عن طريق إخضاع الكلمات
الأجنبية للصيغ العربية المعروفة وإخضاعها للأحكام العربية.
تركيب الكلمات:
و ذلك عن طريق ضم كلمتين
مستقلتين لتكوين كلمة جديدة، و تسمى هذه الطريقة بالتركيب المزجي، ومثال ذلك: أرض جو و الأفرو
أسيوي و فوق البنفسجية
تعريب الأساليب:
وذلك بإدخال أسلوب جديد على
اللغة العربية، للاستفادة منه في معنى لم تسبق معرفته، ومن ذلك مثلا "يلعب
بالنار" و "يناصره الشارع" و " السوق السوداء" و"
تخليق الحياة العامة"...
كما أن الميل إلى الإيجاز و
السرعة دفع المحررين إلى إلى استعمال بعض المفردات و العبارات التي تدل على مضمون معين، فجملة توترت العلاقات تعني بداية خلافات أولية تؤدي إلى اختلافات جوهرية، و عبارة "القوة الضاربة" تشير إلى قوة عسكرية ذات تركيب معين تتمتع بسرعة قوية. كما ابتكرت وسائل الإعلام الجمع بين أداتي نفي تتوسطهما الواو، مثل " لا و لن يفهمني" و " لم و لن يفهمني". كما استعملت تراكيب ركبت تركيبا عربيا مثل: ذر الرماد في العيون و الاصطياد في الماء العكر و غير ذلك.
أشكال تحقق اللغة في وسائل الإعلام:
لغة الصحافة:
تستعمل أسلوب الاختصار و الاستغناء عن الزوائد و الصفات
و ظروف الزمان و المكان و غيرها. كما تهدف اللغة الصحفية إلى تزويد القارئ
بالأحداث و المعلومات بلغة تكون في متناول شرائح عريضة من المجتمع؛ فهي تخاطب
جمهورا متنوعا في المواقف
و الاتجاهات، و غير متجانس من حيث المستوى الاجتماعي و
الثقافي و السياسي. وبما أن دورها يتمثل في التواصل البشري الذي تروم من خلاله إلى
التأثير و تمرير رسائل معينة، فإنها لا تستعمل الأساليب و المصطلحات الصعبة
دلالاتها التي تحول دون تحقيق الأهداف المستهدفة، و يمكن أن تبعد القراء عن الرغبة
في قراءتها. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الصحافة تتحقق فيها مستويات لغوية
متعددة و متنوعة تعكس تعدد الفئات المستهدفة من حيث وضعهم الاجتماعي و الفكري و
الثقافي، و تتحقق تلك المستويات عبر الجمع بين المعجم الفصيح و معجم الدارجة
وعناصر من المعجم الأجنبي.
و الأساليب المتنوعة التي تستعملها الصحافة تتمثل في
أسلوب التقرير و الوصف و الفكاهة و
السخرية، ويمكن أن نضرب مثلا لأسلوب السخرية بفقرة وردت في جريدة الاتحاد
الاشتراكي حيث قال صاحبها" خلال الحصار الذي شهدته بيروت سنة 1982، و دام
أربعة و سبعين يوما شهدنا تظاهرة شعبية كبيرة في عاصمة عربية. هل تعلم ماذا كانت
هذه التظاهرة؟ نزل الجزائريون إلى الشارع محتفلين بالفوز الذي حققته الجزائر على
ألمانيا في مونديال إسبانيا. هذا هو العالم العربي"
و يختلف المقال الصحفي عن المقال الأدبي من حيث الوظيفة
و الموضوع، ذلك أن الصحافي لا تهمه في غالب الأحيان الأغراض الجمالية بقدر ما تهمه
المشكلات المجتمعية و القضايا السياسية و الأفكار العلمية، فهو يتناول هذه الأمور
إما بقصد الإخبار أو التوضيح أو النقد. ومن هنا يتبين أن محور الصحافة يدور حول الوظيفة
الاجتماعية، التي تقتضي من الصحافي أن يتناولها بلغة خاصة تقوم على الوضوح و تيسير
الفهم على القارئ بحيث تكون خالية من
الصور البيانية و البلاغية التي تستصعب على القارئ سبر أغوارها و فهم معانيها.
كما تفضل لغة الصحافة استعمال الجمل القصيرة و الأفعال المحكمة
المغزى السريعة في تأدية المعنى، فهي كما قال عنها الكاتب دينو " إذا سألني
سائل عن الأسلوب الذي أكتبه، قلت إنه الذي إذا تحدثت به إلى خمسة آلاف ممن يختلفون
اختلافا كبيرا في قواهم العقلية عدا البله و المجانين فإنهم جميعا يفهمون ما
أقول" وهذ يتفق أيضا مع ما كتبه عبد الله النديم في افتتاحية العدد الأول من
صحيفة "التنكيت و التبكيت" حين قال: إنه لا يريد منها أن تكون منمقة
بمجازات و استعارات و لا مزخرفة بتورية..و لا مفتخرة بضخامة لفظ و بلاغة عبارة و
لا معربة عن غزارة علم و ذكاء، ولكن أحاديث تعودناها ولغة ألفنا المسامرة بها، و
لا تلجأ إلى قاموس الفيروزأبادي ... و إنما هي في محسبك كصاحب يكلمك بما تعلم وفي
بيتك كخادم يطلب منك ما تقدر عليه ونديم يسامرك بما تحب وتهوى"
اللغة الإذاعية:
تتميز لغة الإعلام الإذاعية
المسموعة منها و المرئية بكونها لغة سهلة و سريعة الفهم، باعتبار أنها موجهة إلى
قطاعات كبيرة من الجماهير، و يتخذ المذياع الصوت و يتخذ جهاز التلفاز الصوت و
الصورة معا وسيلة لنقل المعلومات. وما يميز لغة الإعلام الإذاعية التنوع في
المستويات التعبيرية، الذي يعود أساسا إلى تنوع طبيعة البرامج الموجهة إلى الجماهير،
وكذا تنوع أصناف المتلقين المستهدفين في تلك البرامج؛ فنشرة الأخبار مثلا تستعمل
لغة عربية فصحى تحترم نسبيا نظامها الصوتي و المعجمي و التركيبي. في حين نجد في
البرامج الاجتماعية و الترفيهية لغة تتأرجح بين الفصحى و العامية مع إدخال بعض العناصر الأجنبية عنها، هذا إن لم تكن
العامية هي المستحوذة في أغلب الأوقات على كل البرامج.
و يعزى هذا الاستعمال الوظيفي
للغة إلى أن الدارجة هي لغة التواصل اليومي بين مختلف الفئات الاجتماعية، و بالنظر
إلى وظيفة اللغة في التواصل، تعد الدارجة اللغة اليومية الحية بحيث يتقنها جل المغاربة
ما عدا الأقلية القليلة من الأمازيغيين الذين لم يبرحوا من قراهم المعزولة و
النائية. مما جعل بعض الدعاة للدارجة
يدعون إلى اعتمادها في المؤسسات التعليمية بديلا عن العربية الفصحى للخروج من
الأزمة التعليمية التي ما فتئ المتعلمون و المدرسون يعانون منها على حد
سواء، و حجتهم في ذلك أن الدارجة هي اللغة الأم، واللغة التي يلتقي حولها كل
المغاربة، و اللغة الأكثر نشاطا والوسيلة التي تقرب الثقافة و العلوم بين
المواطنين. و سنعود إلى هذه المسالة بتفصيل في مقال لاحق إن شاء الله.
الأخطاء الشائعة
في لغة الإعلام:
نعني بالأخطاء اللغوية خروج
الكلام الفصيح عن مجرى الصحة في صوته و بنيته و تركيبه و دلالته، ويحدث هذا الأمر
عن طريق شيوع استعمال الخطأ، و يندرج تحت ما يسمى بالخطأ اللغوي أربعة أنواع من
الأخطاء، و هي:
الأخطاء الصوتية:
و هي أخطاء متعلقة بالنطق، و هي أخطاء لا تؤثر
غالبا في دلالة الكلمات. مما جعل خطورتها تقل في اضطراب المعنى، ومن أمثلة ذلك
النطق بالدال غير معجمة في كلمة " بذل" و النطق بالضاد بدلا من الدال في
كلمة" رد".
و تعود أسباب هذه الأخطاء إلى
السرعة في الكلام أو إلى تقارب مخارج الحروف من خلال الانتقال من الترقيق إلى
التفخيم أو من خلال الانتقال من التفخيم إلى الترقيق.
الأخطاء
التركيبية:
يقصد بها الأخطاء التي تطال
التأليف بين مكونات الجملة، ومن أمثلة ذلك نشير إلى ما يلي:
ـ استعمال حرف الجر
"على" مع الفعل "أشار"، و هذا استعمال غير صحيح لأن الفعل
"أشار" يتوزع مع حرف الجر "إلى"، أي نقول مثلا "كل الدلائل تشير إلى ذلك..."
ـ عدم تعدية المصدر "استعداد" بحرف اللام، حيث
نسمع مثلا : " أكد رئيس الحكومة استعداد بلاده استئناف عملية السلام"
و
الصواب هو " استعداد بلاده إلى عملية السلام".
ـ الإتيان بحرف الجر بعد الفعل قال حيث نسمع البعض يقول:
"قال على أن..." والصواب هو "قال إن...". كما اعتدنا أن نسمع
في نشرة الأخبار " أيها المشاهدين و المشاهدات" و الصحيح هو " أيها
المشاهدون و المشاهدات"، لأن "أي" هنا وصلة لنداء الأسماء المعرفة
ب "ال" ملحقة ب "ها" للتنبيه: نقول يا أيها الرجل، وتعرب
منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم، و "ها" للتنبيه، و الرجل عطف بيان
عليها و نحو "يا أيتها النفس"
الأخطاء الدلالية:
و من أمثلة هذا النوع من الأخطاء قول المذيع "
يتواجد الموظفون في مجلس الاجتماع". إن الفعل "تواجد" يعني أظهر من
نفسه الوجد أي الفرح و المحبة، فالتواجد هنا ليس معناه الوجود و الكينونة. أما
الأخطاء الشائعة فهي كثيرة ويطول حصرها، لذا سنكتفي بذكر الأخطاء الكثيرة
الاستعمال فيما يلي:
ـ الحاجيات و الإمكانيات: الأمر هنا يتعلق بكلمتي "
حاجة" و "إمكان" في المفرد و ليس " حاجية" و "
إمكانية". فإذا كان المفرد هو الحاجة، فإنه لا يمكن جمعه سوى على "حاجات"،
و كذلك الأمر بالنسبة لكلمة " إمكان" التي تجمع على "
إمكانات".
المراجع باللغة العربية و الأجنبية.
محمد علي الأصفر: الوظيفة الإعلامية لفن المقالة.
إبراهيم إمام: دراسات في الفن القصصي.
محمد جسوس:
طروحات حول الثقافة و اللغة و التعليم.
شرف عبد العزيز: اللغة الإعلامية.
Mohamed Abderrrahman Berrada: La presse écrite Maroc.
Recherches pédagogiques : Special Media No special 1995.
Media: Warren K.Agee,
Phillip.H.Ault,Edwin Eery.